لم يكن إليمان ندياي يتخيل على الأرجح أن الطريق الذي بدأه مقابل 100 جنيه إسترليني أسبوعيًا سيقوده بعد سنوات قليلة إلى أن يصبح لاعبًا بقيمة تصل إلى 65 مليون جنيه إسترليني، وأن يخوض مباراته الأولى بقميص مانشستر سيتي.
لكن قبل الوصول إلى أضواء الدوري الإنجليزي، كان ندياي في التاسعة عشرة من عمره يلعب في الدرجة السابعة مع هايد يونايتد، في ملعب يبعد نحو 6 أميال فقط عن الاستاد الذي ظهر فيه لاحقًا بقميص مانشستر سيتي.
صحيفة "ذا أتلتيك" عادت إلى بدايات اللاعب، لتكشف تفاصيل الرحلة التي صنعت أحد أبرز التحولات في مسيرته، من ملاعب كرة القدم شبه المحترفة إلى قمة الكرة الإنجليزية.
100 جنيه إسترليني أسبوعيًا فقط
خلال موسم 2019-2020، كان ندياي ضمن فريق الشباب في شيفيلد يونايتد، عندما ذهب ديفيد ماكجورك، مدرب هايد يونايتد آنذاك، لمشاهدته في مباراة أمام بارنسلي.
ماكجورك لم يقتنع بشكل كامل من المشاهدة الأولى، لكنه طلب من مساعده جون ماكومب متابعته، فجاء الرد الذي غير القصة: "داخل وحول منطقة الجزاء.. هذا اللاعب في مستوى آخر".
وبالفعل، نجح هايد في الحصول على خدمات ندياي على سبيل الإعارة في يناير 2020، مقابل 100 جنيه إسترليني أسبوعيًا بالإضافة إلى المصروفات.
النادي كان يمتلك واحدًا من أقل ميزانيات اللاعبين في الدوري، بحوالي 2200 جنيه إسترليني أسبوعيًا لتكوين قائمة تضم 16 لاعبًا فقط، ولذلك كان يعتمد بشكل كبير على سوق الإعارات.
والطريف أن وصول نداي إلى هايد لم يكن مخططًا له من الأساس، إذ كان شيفيلد يونايتد لا يريد هبوطه إلى هذا المستوى، قبل أن تنتهي خيارات اللاعب في يوم الانتقالات، ليتم الاتفاق في النهاية على الصفقة.
"أعطوه الكرة ودعوه يفعل ما يريد"
منذ أول تدريب، أدرك ماكجورك أن هناك شيئًا مختلفًا في اللاعب الشاب، كان هايد يعتمد على تدريبات بسيطة للحفاظ على الكرة في الهواء، لكن ندياي قرر أن يحولها إلى عرض خاص به، وضع الكرة فوق رأسه وبدأ يركض بها وكأنه يؤدي فقرة استعراضية، لدرجة أن زملاءه انفجروا من الضحك وبدأوا في تقليد أصوات الدلافين.
وفي تدريب آخر، كان ندياي قد تجاوز الحارس، لكنه لم يكتف بالتسجيل. بدأ في خداعه مرة تلو الأخرى بحركات وهمية، حتى وجد المدافع والحارس نفسيهما على الأرض، بينما ظل اللاعب السنغالي يماطل قبل أن يضع الكرة في الشباك.
زميله السابق ليام تونج وصف ما شاهده ببساطة: "كان قادرًا على التحكم في جسده والكرة بطريقة غير طبيعية"، أما ماكجورك، فكان يستمتع بمشاهدة اللاعب لدرجة أنه شبه تجربته بما قد يشعر به مدرب عمل مع ليونيل ميسي، قبل أن يختصر فكرته في جملة واحدة: "فقط أعطوا إيليمان الكرة ودعوه يذهب حيث يريد"
351 مشجعًا.. وظهور خطف الأنظار
جاء ظهور ندياي الأول مع هايد أمام جرانثام تاون، وسط حضور بلغ 351 مشجعًا، وفاز هايد بثلاثة أهداف دون رد، لكن أكثر ما بقي في ذاكرة ماكجورك لم يكن النتيجة، وإنما سؤال ظهير جرانثام المخضرم جو سكارز بعد المباراة: "من هذا اللاعب بحق الجحيم؟".
سكارز كان يعمل مع الفئات السنية في شيفيلد يونايتد، لكنه لم يكن يعرف ندياي حينها، وبعدما شاهد مستواه قرر العودة إلى النادي والتأكد من أنهم يعرفون جيدًا حجم الموهبة الموجودة بين أيديهم، وخلال فترة قصيرة، أصبح لاعبو هايد يدخلون المباريات بثقة أكبر لمجرد وجود نداي في التشكيل.
9 مباريات.. ثم توقفت الرحلة
شارك ندياي في 9 مباريات مع هايد، قبل أن تتسبب جائحة كورونا في إلغاء الموسم، وكان الفريق يحتل المركز العاشر، ورغم أن المنافسة في هذا المستوى كانت أكثر بدنية، فإن اللاعب لم يختبئ من المواجهات. كان يتعرض للركل ويجد نفسه محاصرًا بأكثر من لاعب، لكنه كان يعود ويطلب الكرة من جديد.
تونج يتذكر أن بعض المنافسين كانوا يرون أن الطريقة الوحيدة لإيقاف نداي هي ضربه بقوة، لكنه لم يتراجع أو يخشى المواجهات.
الموهبة وحدها لم تكن السر
وراء المهارات والحركات الاستعراضية، كان هناك جانب آخر في شخصية ندياي ربما كان أكثر أهمية، زملاؤه ومدربوه تحدثوا عن تواضعه واحترامه للجميع، مؤكدين أنه لم يتصرف يومًا وكأنه أكبر من مستوى الفريق الذي يلعب معه.
بل إن ماكجورك يتذكر شيئًا آخر: نداي كان أول لاعب يصل إلى التدريبات في كثير من الأحيان، وآخر من يغادرها.
كان هايد يتدرب يومي الثلاثاء والخميس في السابعة مساءً، ولم يكن ندياي مطالبًا بحضور كل التدريبات، لأنه كان يتلقى تدريباته مع شيفيلد خلال النهار.
لكنه كان يصل إلى الملعب في السادسة مساءً، قادمًا بالقطار من شيفيلد، لأنه لم يكن يقود السيارة، وفي بعض الأيام، كان المدرب يضطر إلى إخراجه من الملعب قبل موعد القطار، قائلًا له إن أمامه 20 دقيقة فقط حتى لا يفوته قطار العودة.
وأحيانًا، كانت أضواء الملعب تنطفئ، بينما يظل نداي آخر لاعب موجودًا في أرض الملعب، يواصل التدريب في الظلام.
من ملاعب الدرجة السابعة إلى مانشستر سيتي
رحلة ندياي لم تبدأ أصلًا من طريق أكاديميات الأندية الكبرى. وُلد في روان بفرنسا، وانتقل إلى لندن مع والده محمدو، الراقص ولاعب كرة القدم الهاوي، وكان لا يعرف الإنجليزية عندما وصل إلى إنجلترا.
ندياي، أحد تسعة أشقاء، خاض تجارب في أكاديميات تشيلسي وتوتنهام وساوثهامبتون وريدينج، لكنها لم تنجح، قبل أن ينضم إلى فريق الشباب في بورهم وود، ومن هناك لفت أنظار شيفيلد يونايتد.
بعدها جاءت محطة هايد يونايتد التي كان يمكن أن تبدو وقتها مجرد خطوة صغيرة في مسيرته، لكنها تحولت إلى فصل أساسي في قصة اللاعب.
اليوم، لم يعد ندياي ذلك الشاب الذي يحصل على 100 جنيه إسترليني في الأسبوع ويلعب أمام مئات المشجعين في الدرجة السابعة، لقد أصبح لاعبًا تبلغ قيمته 65 مليون جنيه إسترليني، ووصل إلى مانشستر سيتي، بطل الدوري الإنجليزي 8 مرات.


التعليقات